
إستفاقت نور بعد ساعاتٍ غابت بها عن واقعها، واقعها الذي يخلو منه و من صوته و كلماته، نظرت حولها تعي ما حدث، و آلت سوداوية أفكارها أنه .. مات!! و أنها في هذه الغرفة بعد أن إنهارت أعصابها من الخبر، شهقت و صرخت بإسمه و هي تنهض تخرج من الغرفة تسير في الرواق كالمجنونة تُفتش عنه في كل مكان، حتى وجدته خلف الزجاج نائم كـ جُثة هامدة، جسدُه مُصِل بأسلاكٍ ذبحت روحها، وضعت كفها فوق الزجاج تبكي بصمت و هي ترى وجهه مُلِء جروحًا، ملفوفة رأسه بـ شاش طبي، ظلت واقفة حتى إزرقّت قدميها، لتسمع صوت دنيا من خلفها تقول بخضةٍ:
– قومتي إمتى يا نور!!!
لم تُجيبها ظلت شاردة تتمتم بإسمه تمسح على الزجاج كأنها تربت عليه هو، فـ وقفت دنيا تربت فوق ظهرها مشفقة على حالها، ثم قالت بحنان:
– تعالي يا حبيبتي أقعدي ريحي رجلك!!!
نفت برأسها تغمغم بـ صوت مبحوح:
– مش هقعد غير لما أدخلُه، ده ظُلم إني أبقى قاعدة مرتاحة و هو جوا العناية كل شبر في جسمه بيوجعُه!
حزنت دُنيا علىما قالت فتنهدت و صمتت، ظلت واقفة جوارها حتى خرج الطبيب من الغرفة يزيل حبات العرق من فوق جبينه، إقتربت منه نور تسير بالكاد على قدميها التي تنملت من وقفتها، تسأله برجاء ألا يُخبرها بأمرٍ سيء:
– جوزي .. كويس؟
تنهد الطبيب وقال بأسف:
– يعني .. في رضوض عنيفة في جسمه و مُخه، هنحتاج نتأكد من إشاراته الحيوية لما يفوق بإذن الله!!!
– طب .. هيفوق إمتى؟ ينفع أدخلُه طيب؟
قالت مستندة على الزجاج، فـ قال الطبيب بهدوء:
– مش هينفع حضرتك تدخلي غير لما ننقله غرفة عادية الأول .. و مش هنقدر نحدد هيفوق إمتى للأسف..
– طيب!
تركها و ذهب فـ ترجتها دُنيا تقول:
– عشان خاطري يا نور أقعدي إرتاحي لحد ما يفوق، إنتِ مش قادرة تمشي على رجلك يا حبيبتي!!
نفت برأسها تقول بوهن:
– مش هقعد لحد ما يفوق .. و أطمن عليه!
– ليه العند ده يا نور بس!!
قالت دُنيا بيأسٍ من إقناعها، فـ لم تجيبها الأخرى، تلتفت مجددًا تتأمله و يفصل بينهما لوح زجاجي لولاه لكانت إرتمت بأحضانه، بكت و هي تنظر له بحُزن، و بعد ساعة بالضبط كانوا يقلوه من العناية إلى غرفة عادية، وضعت كفها فوق شفتيها و هي تراه يُنقل على فراش المشفى أمامها، عيناها تُتابعه حتى دلف للغرفة فـ سارت خلفُه تستند جوارها، حتى دلفت للغرفة ترى الممرضة تنزع أسلاك جسده و تضع أخرى، و دُنيا خلف نور تتابعها بخوفٍ على حالتها، وقف نور جواره، تمُد كفها الذي يرتجف إلى وجهه المخدوش .. تتحسسُه و هي تبكي، ثم صعدت إلى لُفافة الشاش تلك و خصلاته تتحسسها بحنان، تنهدت دُنيا و تركتها تخرج من الغرفة تغلق الباب عليهما، إزدردت نور ريقها، و أمسك بكفُه ترفع إلى شفتيها تُقبله و قد تساقطت دمعاتها عليه، تقول بألمٍ:
– فريد .. كفاية كدا و قوم، الساعة من غيرك سنين يا فريد، قوم عشان إنت وحشتني أوي، مش عابز تقوم ليه يا حبيبي .. هو أنا موحشتكتش؟ إنت زعلان مني صح؟ زعلان إني سيبتك لما إحتاجتني مش كدا؟ طب قوم و أنا مش هسيبك .. والله ما هسيبك تاني، أنا عاقبتك باللي عملتُه .. مترُدليش ده و تعاقبني بـ إن يجرالك حاجه، متعاقبنيش أنا عاقبت نفسي و واقفة أهو لحد ما تقوم، رجلي والله مش حاسة بيها من كُتر ما وجعاني، عشان خاطري يا فريد فتّح عينيك!!! يارب!!
فتحت كفه واضعة وجهها به تبكي عليه بحُرقةٍ، حتى سمعت تآوه خفيف شهقت مصدومة على أثرُه، فـ أبعدت كفه تنظر له بلهفة لتجد ملامحه منكمشة رُبما من الألم، جلست تلقائيًا تقول بجنونٍ:
– فريد .. فريد سامعني!!!!
حاوطت وجهه تمسح فوق خصلاته تقول و عيناها متسعة من فرحتها، فتح عيناه و أخيرًا ينظر لها، فـ أخذت تبكي ساندة رأسها على معدته و شهقات بُكائها قد تعالت أغمضت عيناه يرفع كفه بصعوبة ثم وضعها على رأسها، يربت عليها بخفةٍ، أسرعت ترفع رأسها تمسك بكفُه تُقبلها و دمعاتها أغرقته، تغمغم بـ صوتٍ باكٍ زاد ألم جسدُه وروحُه:
– حرام عليك ليه بتعمل فيا كدا!! أنا .. أنا قلبي كان هيُقف أقسم بالله كان هيجرالي حاجه!!!
حاوطت وجنتيه بكفيه تميل عليه تُقبل عيناه التي كانت تتمنى أن يظهرا عن عسليتاه، تُقبل وجنتُه و فكُه و ذقنه و تُشبعه قبلاتٍ تُشبه قبلات أُم إنفطر قلبها قلقًا على صغيرها الذي كادت أن تفقدُه أبديًا، أغمض عيناه يقسم بأن ما تفعلُه الآن أكثر تأثيرًا عليه من تلك الأسلاك الموصولة بجسده، أنهقت بلاته بأن حاوطت عنقه بقوةٍ تلصق جسدها بجسده فـ كتم أنينًا مُتألمًا من جسدُه الذي يؤلمه كل إنش به، و لم يخبرها أن تبتعد .. أو أن تخفف ذلك العناق .. كيف سيطلب منها شيء هو بالأساس لا يُريده، رفع ذراعه و حاوط خصرها بذراعٍ واحد و الثاني إكتشف أنه لا يستطيع تحريكُه، أغمض عيناه و تغاضى عن الأمر يمسح فوق خصلاتها بحنوٍ فـ دفنت وجهها في عنقُه تمسح على ظهر رقبته، ثم إبتعدت عنه تحاوط وجهها تهمس له بـ ألمٍ:
– إيه واجعك يا حبيبي؟
نطق أخيرًا بتعب:
– جسمي .. كلُه!!!
بكت تمسح على وجنته بكفيها المرتجفين، تغمغم وسط بكائها:
– يا قلبي أنا!!!
تابعت:
– هقوم أجيبلك الدكتور!!
أومأ لها بهدوء، فـ نهضت و ما إن مسّت قدميها الأرض حتى تآوهت بألم ضرب جسدُه قبل جسدها فـ ناظرها بخضةٍ يقول مُتلهفًا:
– في إيه!!!
طالعتُه تبتسم إبتسامة مُتألمة:
– ولا حاجه يا حبيبي .. متقلقش رجلي بس منملة شوية!!!
أمسك بكفها يمسح عليه بإبهامُه يقول:
– طب إقعدي لحد ما تفُك!!
نفت برأسها تقول بنهيجٍ:
– لاء .. هروح أجيبه و هتفُك على طول!!
سارت بقدميها الحافيتان و اللتان إزرورقا بفعل تيبُسهما، بعد قليل دلفت خلف الطبيب الذي بدأ يتأكد من إشارات جسده الحيوية، فأخبره الأخير بوهن:
– دراعي الشمال .. مش قادر أحركُه!!!
قال الطبيب بأسف:
– يبقى هنحتاج نجبسُه!!
ثم تابع بهدوء:
– طيب رجلك قادر تحركها؟
أومأ له الأخير و هو يحرك قدميه و أنظار نور تُتابعُه بلهفةٍ، ليلتفت الطبيب لها قائلًا بهدوء:
– هيفضل معانا في المستشفى يومين لحد ما نطمن على حالتُه، و بعدها هيقدر يمشي لكن الجبس هيفضل في إيدُه مُده لا تقل عن شهر! هبعتلكوا ممرضة بالأكل دلوقتي لإن التغذية مهمة جدًا بالنسباله!
– ماشي يا دكتور شكرًا لحضرتك!!
غادر الطبيب و إقتربت منه هي تسير بصعوبة، فـ تمتم بتعب:
– رجلك واجعاكِ؟
نفت برأسها تقول و هي تزيل دمعاتها:
– لاء يا حبيبي لاء!!
رفع كفُه يمسح على وجهها فأمسكت به تقبل باطنه، ليبتسم مغمغمًا:
– وحشتيني .. و وحشتني اللهفة اللي في عينيكِ عليا دي!! يعني لازم أتكسَّر عشان أحس بحنيتك عليا؟
قالت مُسرعة:
– متقولش كدا!!!
