الشقه 3

الشقه 3

الفصل الحادي عشر
إنتِ طالق يا نور!!!!
شهقت و إبتعدت و جنَّت و كادت أن تسقط أرضًا من صدمتها، تأخذ أنفاسها بلُهاثٍ و كأنها كانت تركض بلا هوادة، تتساقط دمعاتها تِباعًا و قلبها يخفق بعنفٍ تنظر له بلا تصديق، لا تصدق أن اليد التي كانت تربت عليها هي من دفعتها بالأمس، لا تصدق أن اللسان الذي كان يطيب جروحها بات يخدش جراحها فـ يجعلها تنزف بغزارة، لا تصدق أن العيون التي كانت تناظرها بهيام .. يتشكل بها الجمود الآن .. كيف أن يتحول مُنتهى الحب إلى مُنتهى الكره؟ كيف للحنان الذي كان يغمرها يتحول إلى قسوةٍ تحطم روحها، رفعت كفيها تعيد خصلاتها للخلف، وسطت أرضًا بالفعل ضد الحائط تميل للأمام لا تستطيع أخذ أنفاسها بشكلٍ صحيح ، و بدلًا من أن يركض عليها و يحتويها بين ذراعيه كما كان يفعل .. خرج و تركها وحيدة بالغرفة و بالجناح بأكمله، نهضت و لم تشعر بنفسها سوى و هي تركل بقدميها و تضرب بقبضتيها كل ما وصلت إليه يداها من خزانات و حائط حتى إزرقّت مفاصل كفها، تتآوه و تصرخ و تبكي و تسِب و تجِن و تنهار و تصمُت و تركض كالتائه الذي ضاعت منه وجهته إلى الأبد، جلست أرضًا بعد نصف ساعة من الإنهيار التام، وجهها قد إحمرّ من شدة الجهد الذي بذلتُه، و حرارة رهيبة تنبعث من كامل جسدها و كأنها تحترق إحتراقًا لا مثيل له، قلبها به نار مُتقدة لا تنطفئ، بكت بألم تحاوط وجهها بكفيها حتى سمعت صوت باب الغرفة يُفتح، لا تريد أن تنظر له، لا تريد أن تريه ضعفها .. عن أي ضعف تواريه؟ فهو رآها و هي تنهار أمام عيناه و لم ترمش أهدابه، و الغرفة المحطمة تلك شهدت لحظات ضعفها التي تُخزي، سمعت صوته الذي بات يسلخ جسدها رغم بروده:
– المأذون جه تحت! إغسلي وشك و إنزلي!

ثم خرج و تركها، رفعت رأسها لمكان وقوفه الذي تركه فـ بات فارغًا كفراغ قلبُه، ثم إبتسمت ساخرة و مسحت دمعاتها ناهصة، تتجه للمرحاض تقف أمام مرآته و تتأمل وجهها الذي بُهت بشكلٍ غريب، نثرت المياه فوق تغسلُه بعنف حتى إحمرّ أكثر، ثم خرجت تدلف لغرفة تبديل الملابس التي لم تطولها يدُها، ثم تزينت .. تضع أحمر شفاه بلونٍ صارخ، تضع القليل من ذلك المسحوق الذي يكثف و يطول أهدابها، ثم تضع ما تخفي به تلك الدوائر التي تحاوط عيناها تنُم عن إرهاقها الجسدي، و صففت خصلاتها تُلملمها بشكلٍ مُهندم، خرجت من الجناح رافعة رأسها تسير بخُطى واثقة لم تنبع سوى من بقايا أنثى تحطّمت على يدِ من عشقت، وجدته بالفعل يجلس جوار المأذون و جواره إثنان من الشهود كانا غالبًا حُراسه، نزلت و سارت تدنو منهم، نظر لها و الضيق إعتلى ملامحه عندما سارت عيناه على شفتيها التب حُددت بدقةٍ بـ لون قاتم، أغمض عيناه يحاول التحكم في أعصابُه و لكن لم يستطيع، خصيصًا عندما هتفت بإبتسامة هادئة:
– أنا جاهزة للطلاق يا شيخنا!

نهض على قدميه بحدةٍ و في ثوانٍ كان يجذبها من ذراعها يجُرّها جرًا إلى غرفة كانت بالأسفل، حاولت إبعاد كفُه عن ذراعها تصرخ به بحدةٍ:
– بتلمسنى بُناءً عن إيه؟!!! إبعد إيدك!!!

دفعها للحائط فتآوهت بألم من ظهرها الذي آلمها، لم يأبه لها و قبض على فكها يصرخ بحدةٍ في وجهها و عيناه مُثبتة على شفتيها:
– روچ الرقَّصات اللي إنتِ حاطاه ده يتشال بدل ما قسمًا بالله ما هيفرق معايا طلاق ولا زفت و هشيلهولك أنا بـ شفايفي!!

شهقت بصدمةٍ من طريقته الفجّة معها، لم يترك لها مجال تدارك الأمر ليسحب منديلًا وراء الأخر، و أخذ يزيل بعنف شديد أحمر الشفاه ذاك من فوق شفتيها وسط تذمراتها و إعتراضها عما يفعل، ضربت كتفيه بقبضتيها عندما إنتهى مما يفعل تهدر بعنف:
– ملكش حق تعمل اللي بتعملُه ده دلوقتي!!! إنت ناسي إنك طلقتني!! يعني خلاص اللي أنا عايزاه أعملُه!!

غرز أظافرُه بذراعيها يقول بقسوةٍ:
– أنا ليا كُل الحق أعمل اللي أنــا عـايـزُه فيـكِ!!!

صرخت بوجهه بقهر:
– لـاء مـلـكـش!!! من أول ما رميت الكلمة دي في وشي و إنت حقوقك كلها راحت!!

ثم أبعدت كفيه عن ذراعها تقول بجمود:
– و حتى مسكتك لدراعي دي ملكش الحق فيها .. و يلا عشان المأذون مش فاضيلنا!!!

ثم ذهبت من أمامه تاركة إياه يضرب الحائط بكفُه، خرج خلفها بعد قليل فوجدها جالسة و على أهبُّة الإستعداد .. للحظة إنقبص قلبُه من قرارٍ سيتخذُه ولا رجعةً فيه، قرار مصيري سيجعلها لا تشاركه حياته .. غرفته .. نومُه و أحضانه، يعود و تذكرُه نفسُه بما فعلت .. فـ كان وسواس النفس على قلبُه أكثر تأثيرًا من شيطانٍ جُنِّب يُصفق لنفسٍ أثبتت سوءها بجدارة!

جلس و أعطى للمأذون بطاقته و فعلت هي المثل، ليبدأ الأخير في إجراءات الطلاق، كانت شاردة في اللاشيء، توقّع على ورقة الطلاق بدمٍ قد إختفى من كامل جسدها، و فعل هو المثل و قد عُميت بصيرتُه عن أعقاب ذاك القرار!
خطت على الورقة نهاية زواجها و نهاية حياتها أيضًا، كيف خطى على قلبها بتلك القسوة؟ةكيف له أن يراها تموت أمامه .. تلفُظ أنفاسها الأخيرة و لم يحاول حتى مُساعدتها، سُمىّ القلب قلب لأنه يتقلَّب .. و لكن كيف تقلّب بذلك الجبروت؟، ظلت جالسة تشاهده و هو يقِلهم إلى باب الڤيلا، تراقبُه بأعين إمتلئت سُخرية .. سُخرية مريرة مررت حلقها، نهضت، و أخذت خطوات قوية إلى غرفتهما .. التي كانت غرفتهما و الأن هي غرفته وحدُه و ستُغادرها و إن كلّفها الأمر قلبُها، أخذت هاتفها الصغير الذي كانت تملكُه قبل أن يبتاع هو هاتف آخر بمبلغٍ فلكيّ، أخذت مفاتيح شقة أمها ثم إرتدت نفس الكنزة التي أتت بها هُنا و ذات البنطال، لملمت خصلاتها إلى ذيل حُصان مُرتفع، و أعادت وضع أحمر شفاه خفيف تلك المرة يناسب المنطقة الشعبية التي ستعود إليها، ثم ترجلت من فوق الدرج تنظر إليه و هو جالس عائدًا برأسه للخلف مُغمضًا عينيه و ذراعيه فُردا جوارُه، وقفت أمامُه تقول بجمودٍ قد تعلّمته منه:
– أنا ماشية، سايبالك اللبس اللي كنت جايبهولي فوق .. و التليفون بردو، و الفيزا جنب التليفون، سلام!

إتخذت خطوات مُبتعدة عنه، لكن قوله الجهوري أوقفها:
– إسـتــنــي!!!

إلتفتت له فوجدته ينهض بطوله الفارع واقفًا أمامها، يُردف بهدوء:
– إقعدي هنا .. متروحيش بيت أمك!

ثم تابع رُغم مِحياها المُندهشة بصوتٍ حاول أن يُبقيه ثابتًا:
– مش هآمن عليكِ هناك .. و مدام الشرع محلل إنك تقعدي معايا مافيهاش مشكلة، و متخافيش .. مش هقربلك!!

تعالت ضحكاتها من فرط ألمها، تميل للأمام من شدة ضحكاتها تقول وسط قهقهاتها:
– مش قادرة .. بجد!!

ثم تابعت بحدةٍ و وجهٍ جامد يختلف كُليًا عن ضحكاتها السابقة:
– و إنت بصفتك إيه نآمن و لا متآمنش!!! و أنا أقعد معاك بعد ده كلُه إزاي!!!

ثم صرخت بوجهه مقتربة منه بعنفٍ:
– مـ تــــرد عـــلــيــا!!!

رفعت سبابته تنغزها بصدرُه هادرة بقوةٍ:
– ده أنا لو هقعد على الإرصفة، و هاكل من مقالب زبالة .. عُمري ما هقعد معاك تاني!!! ســامــع؟!!!

– إمشي يا نور!!!
قالها بكل هدوء، هدوء أشعل قلبها، فـ أبعدت إصبعها عنه، و تركته مغادرة صافعة الباب خلفها، أخرج هاتفُه و أجرى إتصالًا يأمر فيه السائق أن يقلها إلى منزل والدتها فقال له:
– توصّل الهانم لـ بيت والدتها .. هي هتوصفلك المكان، و خليني معاك على التليفون و إنت بتقولها!!

– تمام يا بيه!!
ثم نادى السائق بتهذيب:
– يا هانم .. إتفضلي هوصلك!!

نظرت له نور بإزدراءٍ قائلة بضيق:
– متشكرة مش عايزة!!!

هتف فريدة بحدة:
– قولها فريد بيه بيقولك إركبي!!!

فعل السائق مثلما قال، فإشتعلت غضبًا قائلة بحدة:
– أنا قولت لاء .. مش عايزه من اللي مشغلك حاجه!!

ثم ذهبت فـ قال السائق بتوجس:
– حضرتك سمعتها يا بيه؟

لم يُجيبه فريد، أغلق الهاتف معه ثم ضرب بهاتفُه الأرض و لولا أنه لن ينكسر لكان سقط أشلاء، لم يكتفي بهاتفُه فقط .. بل حطم كل ما قابلُه و كل ما كان أمامُه، يصرخ و يزأر كالأسد من شدة الألم الذي شعر به في قلبُه، يشعر بغصة غريبة و لم ينفعه غروره في شيء .. فورما إبتعدت عنه شعر و كأنها قد أخذت معها ذلك الأكسچين الذي يدلف لرئتيه، أخذت معها روحه و سلبتُه قلبه و شتتت عقلُه، بالكاد يأخذ أنفاسُه .. الآن فقط شعر بها و هي لا تستطيع التنفُس، الآن فقط شعر كيف لـ شخصٍ أن يكُ بمثل هذا القدر من الأهمية فتشعُر بتضاؤلك أمام رحيله و أنك كالصغير الذي لا يستطيع إدارة أمرُه وحده، رُغم كونه بمنتصف الثلاثينات و رغم عمله الذي ليس بيسير و رغم خبرته بالحياة إلا أنه يشعر بأنه لا شيء فور ذهابها، كيف توصّل به الأمر أن يبعدها بإرادته عنها؟ كيف إستطاع دفعها بعيدًا عنه بتلك الطريقة؟ كيف طلّقها؟ أغمض عيناه لا يستطيع التنفُس، يميل للأمام واضعًا كفُه على قلبُه يشعر بأنه سيتوقف يُتمتم من بين أنفاسُه المبعثرة و آهاته التي تصدُر منه للمرة الأولى:
– نور .. نور!!!!!

• •• • • • •

سارت على قدميها التي بالكاد تستطيع أن تخطو عليها، ضالّة ولا تعلم كيف تذهب، من إين الوجهة؟ لطالما كان بوصلتها .. و الآن تشعر بأنها قد ضاعت، إنسابت دمعاتها و هي تتذكر مشهد طلاقهما .. تتذكرُه و هو يمضٍ بـذلك الجمود .. كيف لم ترتعش أنامله مثلها؟ كيف لم يبلل شفتيه و ينظف حلقه و هو يمضٍ على وثيقة إنتهاء حياتهما معًا؟ وقفت تلتقط أنفاسها التي إختنقت من ذكرى ذلك المشهد، تنظر حولها فوجدت نفسها على الطريق ولكن لا يوجد سيارة أجرى واحدة أمامها، ظلت واقفة ما يُقارب الساعة حتى أُرهقت و قبل أن تقرر تكملة ذهابها وقفت أمامها سيارة قد شبّهت عليها .. تشعر أنها مألوفة بالنسبة لها، لتترجل منها فتاة المئزر الجلدي، تلك التي حوَتها بسبارتها عندما خطفها زوج أمها .. دُنيا!!! شهقت نور من القدر الذي جمعهما مرةٍ أخرى فـ إبتسمت نور تقول بمداعبةٍ:
– ده أنا لو سوبر دُنيا مش هبقى موجودة عشانك كل مرة كدا!!

طالعتها نور بإبتسامة و هتفت بهدوء:
– والله أنا مش عارفة أقولك إيه .. بتيجي في اللحظات اللي ببقى مش عارفة أعمل فيها إيه حقيقي!!!

قالت دُنيا بلُطف:
– طب يلا إركبي نروح نقعد في حتة و أرجّعك تاني!!

تنهدت نور و صعدت معها، فـ سارت بها دُنيا تقول بـ عفويةٍ  الأخرى:
– أومال جوزك فين؟ سايبك تنزلي بليل كدا إزاي؟!

قطّبت حاجبيها تؤذيها حتى سيرتُه فـ قالت بضيق ظهر على محياها:
– مش عايزه أتكلم عليه خالص!!

صمتت دُنيا تحترم رغبتها رُغم إستغرابها، فـ هو كان يبدو عاشقًا مُتيم لها .. ماذا حدث؟ سارت دُنيا إلى مطعم مُحبب إلى قلبها، ثم صفّت سيارتها و قال بحماسٍ مُلتفتة إلى نور:
– هتاكلي أحلى أكلة كباب كلتيها في حياتك!!!

– بس أنا ماليش نفس!!!
قالتها نور و هي تشعر بجمرٍ في معدتها .. كيف تُزيد النار نارًا؟ قالت دُنيا بحدة:
– إنسي الكلام ده، إنتِ نفسك هتتفتح أول ما تشوفي الأكل أصلًا!!!

لم تجادلها نور و ترجبت من السيارة، تسير معها داخل ذلك المطعم، كان النُدلاء يعلمون بالفعل دُنيا، فـ أخذوا لها الطاولة التي أرادتها، جلسا أمام بعضهما البعض، شاردة الءهن تنظر أمامها في نقطة فارغة، تنهدت دُنيا بعطف عليها، فـ قال بحنان:
– نور .. إنتِ كويسة؟

نظرت لها نور و الدمعات أخذت تتجمع في عيناها، تشير برأسها لها بـ لا .. ثم تنهار في البكاء الخفيف فـ تسر دُنيا تربت على كفها تشاركها حزنها قائلة لها برفق:
– حبيبتي .. إهدي و متعيطيش، قوليلي إيه اللي مزعلك كدا؟

قالت بقهر ظهر في صوتها:
– أنا مش عارفة أنا عملت إيه عشان يعمل معايا كل ده!! إزاي هونت عليه أوي كدا؟

– طب إحكيلي!!
قالتها دُنيا بلُطفٍ جعل نور تقُص على مسامعها كُل شيء، فـ تنهدت دُنيا تقول بهدوء:
– هو آه اللي عملتيه مكانش صح، بس أنا كنت مستنية منه و إنتِ بتحكيلي إنه يحتوي الموقف أكتر خصوصًا إنك بتقولي إن مامتك كانت لسه متوفيه الله يرحمها، هو يمكن يكون كبّر الموضوع شوية .. بس أنا مُتأكدة إنه لما يهدى و يعقلها هيجيلك و يتأسفلك، كان واضح أوي عليه با نور لما شوفته إنه مش بس بيحبك ده بيموت فيكِ، و كان خايف عليكِ جدًا يومها، أنا متأكدة إن الشخصية دي متقدرش تعيش من غيرك!!!

قالت نور بإنفعال مشددة على أسنانها:
– مين قالك لو جه أنا هسامحُه؟ عُمري ما هسامحُه على الإحساس اللي حسسهولي و لا على قهرة قلبي!!

تنهدت دُنيا تربت على كفها و صمتت، ثم قالت مُغيرى مجرى الموضوع:
– أنا بقى يا ستي متجوزة و جوزي مسافر!! بيسافر و بينزل كل 4 شهور شهر!!!

مسحت الأخيرة دمعاتها و قالت بهدوء:
– كويس .. مش بيغيب يعني!!

إبتسمت دُنيا تقول بنبرة ممازحة:
– كدا مش بيغيب .. ده بيوحشني أوي أصلًا!

– مسافرتيش معاه ليه؟
سألتها نور بإستفسار فـ قالت بعد تنهيدة:
– مينفعش .. هو لسه مش مستقر بيتنقل من مكان لمكان و مش عايز يبهدلني معاه!!!

صمتت نور و لم تُعقّب، فأتت صينية الطعام، و بدأت دُنيا تأكل بـ شراهةٍ على عكس نور التي نظرت للطعام و لم تلمسُه. فقالت الأخيرة بضيق:
– كُلي يا نور!! والله لو ما كلتي أنا كمان مش هاكل و أنا ميتة من الجوع أصلًا!

– طيب!!

• • • • • •

– إعملي حسابك يا ست نور إني هطُب عليكِ بُكرة الصبح عشان نفطر مع بعض و هقضي معاكِ اليوم كمان و هقرفك شوية!!!
قالت دُنيا مُبتسمة فـ أسرعت الأخير تقول بترحابٍ:
– ده أكيد .. بدل م نقعد لوحدنا و نتجنن!! هستناكِ متتأخريش!!

ثم غادرت تشير له بكفها، فـ غادرت دُنيا بسيارتها و دلفت نور إلى تلك الحارة ثم إلى بيت والدتها، فتحته و دلفت تغلق الباب خلفها، ألقت جسدها فوق إحدى الأرائك بتعبٍ، شاردة في نومتها الأولى بدونه، بدون أحضانه، بدون أنفاسه التي لطالما كانت قريبة من رئتيها، شاردة في حالها الجديد .. شاردة في هوانها عليه، أغمضت عيناها لكي لا تُمطر، ثم غفت تُصمِت تلك الأصوات التي بداخل ذهنها!!

إستفاقت على طرقات فوق الباب أفزعتها، و جعلتها تنهض مسرعة تقول بـ صوتها الناعس:
– حاضر يا دُنيا!!

فتحت الباب تفرك بعيناها بنعاس شديد و رفعتهما، فـ توسعت عيناها عندما وجدته هو، يقف أمامها بطوله الفارع و تلك الهالة التي تُحطيُه، يُهزم حصونها و يدمرها مرةً أخرى، فـ تحاول الدفاع عن بقايا روحها تصرخ به:
– جـاي ليـه؟!!!

قال بهدوء:
– رديتك!!!

يُتبع♥

الفصل الثاني عشر
رديتك!!!
شهقت تستفيق من نومها على ذلك الكابوس الذي هيأُه عقلها لها أنه قد عاد، تستفيق فتجد نفسها على ذات الأريكة، تآوهت بألم تدلك رقبتها لتستوقفها طرقات الباب، إنقبض قلبها تظن الكابوس قد تحقق، نهضت تسير ببطء ناحية الباب ثم تتمتم:
– مين؟

زفرت أنفاسها التي حبستها برئتيها عندما سمعت صوت دُنيا فـ فتحت لها فورًا، إبتسمت لها بترحابٍ فـ غمغمت دُنيا:
– مين إيه بس م إنتِ عارفة إن أنا اللي جاية!

قالت نور بعد تنهيدة:
– حلمت إنه هو اللي جالي و قالي رديتك .. عشان كدا إتخضيت لما خبطتي!!!

أغلقت دُنيا الباب و جلست تقول:
– والله يا بنتي الرجالة دول شوية مجانين! تعالي أقعدي جايبالك فطار حلو أوي!!

قالت نور بحرجٍ:
– إنت بتكلفي نفسك ليه يا دُنيا أنا عندي الأكل!

قالت دُنيا بمرحٍ:
– أنا مش هستناكِ لما تطبخي يا عسل .. أنا على لحم بطني!!!

ضحكت نور و قالت و هي تجلس أمامها:
– يا بنتي إرحمي نفسك .. بتودي الأكل ده فين و إنتِ رفيعة كدا!

– طب يلا كُلي!!
جذبتها إلى الطعام من يدها فـ ضحكت نور و بدأت تأكل بالكاد تبتلع اللُقيمات، كلما أكلت تذكرتُه و هو الذي كان يطعمها بيداه، أغمضت عيناها تسُب عقلها الذي لا يفكر بـ سواه، لاحظتها دُنيا فـ قالت بهدوء:
– نور .. إنتِ لسه عايزاه!!!

نظرت لها مُتفاجئة من السؤال، ظلت تفكر للحظات حتى قالت بهدوء:
– لاء .. و لو جه باس على رجلي مش هسامحُه، خلاني أحس إحساس بشع أوي يا دُنيا

تنهدت دُنيا تقول بحزن على حالها:
– إنتِ بتقولي كدا عشان لسه في مرحلة الغضب، لكن أنا عارفة إنك بتحبيه، و إنه لو جه و إعتذر هتسامحيه!!!

صمتت نور لا تستطيع أن تجيبها .. فهي نفسها لا تعرف كيف ستكون ردة فعلها إذا أتى، حاولت تغيير الموضوع فـقالت بإبتسامة زيّفتها:
– سيبك مني و إحكيلي إنتِ .. جوزك هينزل إمتى؟

قالت دُنيا مبتسمة عند ذِكر سيرته:
– أقل من شهر و هيبقى هنا بإذن الله!!!

قالت نور بحُب لـ تلك الإبتسامة التي إرتسمت على وجهها فور أن أتت بسيرته:
– بتحبيه؟

أسرعت قائلة دون تردد:
– أوي يا نور .. بحِس إنه حتة مني و لما بيمشي قلبي بيبقى كإنه عايز يطلع من جسمي و يروح معاه!

إبتسمت لها نور و ربتت على كتفها قائلة بحنان:
– يجيلك بالسلامة يا حبيبتي!!!

– يارب!!
قالتها مبتسمة، فـ ظلت نور تفكر للحظات حتى قالت بهدوء:
– دُنيا أنا عايزة أشتغل!

• • • • • • •

وقفت أمام المرآة، تُهندم ثيابها و تُنمقها، تلك الثياب التي أعطتها لها دُنيا لترتديها كي تكون لائقة للشركة التي ستعمل بها، و ثياب كثيرة قد أتت لها دُنيا بها، كانت ترتدي بنطال قماشي تعلوه كنزة بيضاء ضيقة إلتصقت بجسدها و طرفها قد أُدخل داخل البنطال، تعلو تلك الكنزة بليزر قماشي من نفس نوع و لون البنطال الأسود، خصلاتها رفعتهم عن وجهها بكعكةٍ مُنمقة، نظرت لنفسها بإعجابٍ و أخذت هاتفها و غادرت، فوجدت دنيا تقف منتظرة إياها بسيارتها، و فورما رأتها قالت بإعجاب:
– يا ولا على الحلاوة!!

إبتسمت لها نور و صعدت جواره بالسيارة تقول بإمتنان:
– أنا بجد مش عارفة أقولك إيه، يعني كلمتيلي مديرك عشان أشتغل معاكي في نفس الشركة و جيبتيلي اللبس الفورمال ده كلُه و كمان واقفة مستنياني بالعربية!!

قالت دُنيا مُبتسمة:
– أومال إحنا صحاب إزاي .. ده الطبيعي!!

ثم تابعت:
– و الحمدلله مدير الشركة راجل كبير أد أبوكِ كدا .. يعني مُستحيل يبُصلك و شُغل الروايات ده!!!

• • • • • • •

بدأت نور العمل في الشركة مع صديقتها دُنيا .. و التي إحتلت جزء كبير للغاية من يومها و من قلبها أيضًا، حتى مرّ شهرٌ كامل دونُه، دون أن تسمع صوته و تستأنس به، دون أن تنظر له و تشعر بأنفاسُه تُبعثرها، و في اليوم الثلاثون، وقف تحتضن دُنيا التي قالت بحُزن:
– هتوحشيني الشهر ده، أنا والله ما عايزة أسيبك لوحدك أصلًا!

أسرعت نور تقول بحنان:
– يا حبيبتي إنتِ مش مسافرة، و بعدين الأيام بتعدي بسرعة و هتقضي مع جوزك الشهر ده و هتيجي تاني .. إنتِ ما بتصدّقي إنه يجيلك أصلًا!

تنهدت دُنيا و قالت تمسح على خصلاتها:
– هرن عليكِ كل يوم أتطمن عليكِ!!

قالت نور بمزاح تخفف الأجواء:
– آه إنتِ عايزة جوزك يعلّقك بقى!! أنا قاعدة في بيتنا مش هيجرالي حاجه، هلخم نفسي في الشغل!!

– ماشي يا حبيبتي! همشي أنا و إنتِ نامي بقى عشان تصحي بكرة بدري .. تصبحي على خير!!
أشارت لها دُنيا و هي تبتعد متجهة إلى الباب، ردّت نور عليها ثم تغلق الباب خلفها، مُحيت الإبتسامة من فوق شفتيها فورما إنفردت بنفسها، أغمضت عيناها تستند برأسها على الأريكة تضم قدميها لصدرها، تُهدئ من إشتعال قلبها، و تأجج روحها و من القر الذي يختلجها، حتى إستمعت لطرقات فوق الباب، ظنت أن دُنيا قد نست شيء فأسرعت تنهض تفتح لها، لكنها أخذت خطوتان للخلف عندما وجدتُه واثب أمامها، بجسدُه الذي إزداد ضخامة .. و بـ ذقنُه التي نمت أكثر، عيناه المُرهقة و ملامحه التي بُهتت، نظرت له بقسوةٍ، ثم قالت:
– خير؟ إيه اللي جابك؟

نظر لها بإشتياقٍ حاول جاهدًا أن يخفيه، يتفرّس وجهها وجسدها الذي قد نُحف قليلًا، يحاول فكّ عُقدة لسانه فيقول بهدوء:
– وحشتيني!!!

ضحكت من قلبها، حتى عادت للخلف من شدة ضحكاتها واضعة كفها على معدتها، ثم إعتدلت في وقفتها قائلة مُبتسمة:
– مش ممكن .. كل مرة تضحكني كدا؟

تابعت بهدوء:
– لو إنت فاكر إني هفتحلك دراعي عشان أخدك في حُضني تبقى مُغفّل أوي!! و لو فاكر إن الكلمة دي هتخليني أنِخ و أسامحك تبقى مبتفهمش!!!

مرّ من جوارها و دلف للبيت فـ إلتفتت تنظر له بحدة، ليتابع ببرود:
– تسامحيني؟ مين اللي المفروض يسامح التاني؟!؟

جلس على المقعد و قال مشيرًا لها على الأريكة:
– أقعدي نتكلم!!!

صرخت بوجهه:
– مافيش بينا كلام ولا قُعاد .. إطلع برا!!!!

أشارت للباب كي يخرُج، فـ هتف بضيق:
– هتعبر نفسي مسمعتش طردك ليا، و هراعي إن نفسيتك تعبانة و مش هاخد بكلامك!!!

قالت بنبرة إستفزته:
– نفسيتي تعبانة؟ مين العبيط اللي قالك كدا؟ أنا في أحسن مراحل حياتي .. عايشة في شقتي ، نزلت إشتغلت و الحمدلله بثبت نفسي في شغلي، و عندي صاحبتي دايمًا واقفة معايا، فين نفسيتي التعبانة دي بقى!!

نهض واقفًا أمامها، و تجرأ محاوطًا وجنتيها هامسًا بصوتُه الرجولي:
– يعني أنا موحشتكيش!!

أبعدت كفيه بعنف صارخة بوجهه:
– إياك تاني مرة تلمسني، إحنا مطّلقين مينفعش اللي بتعملُه ده!

إقترب منها أكثر يقبض فوق ذراعيها يدفعها إلى ركن في الحائط فـ شهقت و هي تشعر بـ نواقيس الخطر تدُق في ذهنها، إقشعرّ بدنها عندما سار بأناملُه على ذراعيها العاريان:
– إنتِ لسه في شهور العدّة .. أقدر أرُدك في أي وقت!!!

– تبقى بتحلم، مش هوافق لو حصل إيه!!!
قالت بقسوةٍ ظهرت في عيناها، كانت عيناه مُثبتة على شفتيها التي إشتاق لها، شهرًا كاملًا لم يتذوق عسلهما، يعلم خطورة ما سيفعله و لكن ليفعلُه، و على غفلةٍ و بدون سابق إنذار كان يميل مُلتقطًا ملاذُه في قبلةٍ دامت ثوانٍ معدودة قبل أن تدفعه بعنف من صدرُه، ،و قبل أن يأخذ صفعةً من كفها أفاقت ثمالة عقلُه بها، إشتعلت النيران بعيناها تدفعُه من صدره بعد أن لطمت وجهه تهدر في وجهه:
– إنت إزاي تعمل كدا!!! إزاي تتجرأ و تعمل كدا إنت إيه!!! بقولك أنا مش مراتك!!! مبقتش مراتك .. كُنت و خلاص مبقتش و لا هبقى تاني!!!

ظل مُغمضًا عيناه يحاول أن يسيطر على أعصابه و لا يُحطم عظامها الآن، يقبض فوق كفيه و أسنانه تصتك فوق بعضهم في غضبٍ لا مثيل له، لا تنكر خوفها من ردة فعله التي باتت غير متوقعة، هل سيرُد لها الصفعة صفعتان؟ هل سيسحب خصلاتها فتتقطّع في كفُه؟ هل سيُلقي عليها سِباب نابية؟ خافت و تراجعت جالسة على الأريكة تضُم كتفيها بذراعيها، مُغمضة عيناها بألم من الحال الذي آلا كلاهما له، ظل صامتًا لا يتحدث ما يُقارب النصف ساعة، حتى وجدته يتحرك و يجلس على الأريكة قائلًا بأعين إحمرّت:
– نور!!

نظرت له متوجسة، حتى قال بهدوء زائف:
– لو إنتِ عيشتي حياتك فـ أنا مش عارف، كُل رُكن في البيت بيفكرني بيكِ .. أنا أصلًا مبنساش، و لو أنا موحشتكيش ..

تابع بعد تنهيدة:
– فـ إنتِ وحشتيني لدرجة متتخيليهاش، كل حاجة فيكِ وحشتني .. ضحكتك .. عينيكِ .. صوتك .. حُضنك كُل حاجه مفتقدها، كان لازم تُعذريني .. أنا كُنت حاسس إني مش قادر أثق فيكِ!!

تأملت كلماته .. كيف ستخبرُه أنها إشتاقت هي الأخرى له و لكن لن تبقى معُه، كيف ستُخبره أن صوته .. عناقه .. عيناه و ضحكاته التي تنعش خلايا جسدها تشتاق لهم و لكنها أبدًا لن تبقى معه، أخذت أنفاسها الضائعة و حاولت موازنة نبرته تقول ساخرة:
– أعذُرك؟ طب و أنا مين يعذُرني؟! ليه عايزني أعذُرك و إنت معذرتنيش لما قولتلك إني مكُنتش مُستقرة نفسيًا و !ني عملت كدا من اللي شوفتُه في حياتي! ليه و أنا بنهار قدامك و بقولك إني بحبك و مقدرش أعيش من غيرك مرحمتنيش؟ ليه و إنت شايفني قصادك بطلع في الروح .. عينك مرمشتش حتى عليا!

– حقك عليا!!!
قالها بتعبٍ من ذكر الأمر مرة أخرى .. كيف لم ترمش عينه و هو كل خلاياه إنتفضت عندما رأتها بهذا الوضع و لكن الشيطان أعمى بصرُه، فـ قالت مُبتسمة بمرارة:
– هي هتخلص كدا؟!

إقتربت منه هامسة أمام وجهه بـ قوةٍ:
– و رحمة أبويا .. ما هرجعلك، و هدوّقك المُر اللي سقيتهولي، هخليك تتمنى لو يرجع بيك اليوم ده عشان متعملش كدا هندمك على الوجع اللي وجعتهولي ندم عُمرك كلُه يا ابن الزيات!!!

إبتعدت عنه تناظر وهن عيناه بشماتةٍ زرعها بها، ثم أشارت إلى باب الشقة تقول بأنفٍ وصلت لعنان السماء:
– إطلع برا .. و آخر مرة تعتب الشقة دي!!!

نظر لها مطولًا، نظرات يرجوها بها ألا تفعل لكنُه قوبل بنظراتٍ قاسية و أعين مُتحجرة، فـ أخذ خطواتٍ بعيد عنها ثم خرج صافعًا خلفه باب الشقة، نظرت للفراغ الذي تركه، تغمغم لنفسها:
– إياكِ تضعفي!!! إوعي يا نور .. إفتكري اللي عملُه فيكِ!!!

ذهبت إلى غرفة نومها و أراحت جسدها فوق الفراش، تضبط المنبه لكي تستفيق باكرًا لتذهب لعملها، ستذهب له وحدها لأن دنيا لأول مرة لن تأتي لتقلها بسبب الأجازة التي أذنوا لها بها!

• • • • • •

نهضت بنشاطٍ و إرتدت ثيابها، صففت خصلاتها و قررت تركها حُرة اليوم و ساعدها على ذلك نعومتها، ثم خرجت من الشقة بعدما أخذت مفاتيحها و هاتفها، أغلقت الباب جيدًا و إلتفتت لتصُدم به جالسًا في سيارتُه عائدًا بالمقعد للخلف و نائم، إعتلى الضيق مِحياها لكن أكملت طريقها تتظاهر بأنها لم تراه، أوقفتها السيدة فتحية .. تلك التي أخذتها ببيتها عندما رفضت أمها أن تفتح لها الباب و تُدخلها، تقول بأعين تلومها:
– كدا يا نور يا بنتي .. تسيبي جوزك نايم في العربية كدا من إمبارح يا حبة عيني على الوضع ده!!!

هتفت نور بضيق:
– ده مبقاش جوزي يا حجّة فتحية، إحنا إطلّقنا خلاص!!!

غمغمت فتحية بحزن:
– م أنا عرفت يا بنتي .. بس و ماله إنتِ في فترة العدة يعني ترجعوا في أي وقت بالمأذون بردو!!

صدح صوت نور الهجومي:
– و مين قالك أصلًا إني هوافق أرجعلُه!!

تنهدت فتحية تربت على كتفها قائلة:
– طيب خلاص يا حبيبتي روحي شغلك عشان متتأخريش، و لما ترجعي لينا كلام مع بعض!!

تنهدت و ذهبت من أمامها لتخرج للشارع الرئيسي تنتظر سيارة أجرة تمُر، لتمُر أمامها آخر سيارة كانت تنتظرها، سيارته، و فتح زجاج النافذة يميل برأسه لكي يراها قائلًا بنبرة هادئة:
– إركبي!!

تأففت بنزقٍ و قالت بحدة:
– إمشي من هنا عشان مصوّتش و ألم الناس عليك!!!

– لو مركبتيش هنزل أجيبك من شعرك و أركبك بالعافية!!
قالها بتحذير حقيقي و قد فُلتت أعصابُه، فـ ضربت السيارة بقدمها بجُرها تقول بعنفٍ:
– يلا إنزل وريني .. عشان أخلي اللي ما يشتري يتفرج عليك!!!

رفع حاجبيه من طريقتها الجديدة عليه، حاول التحلي بالصبر فـ قرر أن يهاودها قائلًا برفق:
– مش هتلاقي مواصلات دلوقتي الدنيا زحمة!!!

– حاجه متخُصش حضرتك!!!
هتفت ساخرة ثم أشارت إلى سيارة أجرة مرت من جوار سيارته فوقف السائق، أخبرته بالمكان فهزّ رأسه لها موافقًا، صعدت معه دون أن تعاير فريد إهتمام، ضرب الأخير المقود بعصبية شديدة، لكنه توقف للحظة مُدركًا بأنه فالتة خُصلاتها تحررهم على ظهرها، فـ ردد مع نفسه مصدومًا:
– دي مسيبة شعرها!!! دي نازلة و مسيبة شعرها!!! ده أنا هطلع عين أمها دلوقتي!!!

سار خلف السائق بسُرعة جنونية و قد إنتفخت أوداجُه، لا يصدق أن غيره سيرى خصلاتها مفرودة على ظهرها، كيف لم يُحجبها، كانت على ذمته و كيف لم يتخذ هذا القرار و يجعلها عنوةً ترتدي الحجاب، أطلق زفيرًا حارًا من شدة لهيب جسدُه الغاضب، حتى وجدها تترجل من السيارة بعدما أعطت للسائق بعض النقود، ترجل هو الآخر من السيارة و سار خلفها طاويًا أسفل قدمُه الأراضي مُدبدبًا عليها بـ حذائه الذي يصرخ بالغِنى،
ثم بقسوة إلتقط ذراعها و جذبها خلفه بعنف وسط صراخها و جسدها الذي يتثاقل عمدًا حتى يعجز عن جذبها و لكن ذهبت محاولاتها هدرًا فهو أقوى بنيةً منها بمراحلٍ، دفعها إلى السيارة في المقعد الخلفي حتى لا يتسنى لها النزول و إستقل جوارها، ظلت تصرخ به أن يتركها و يبتعد لكنه ضرب على ظهر المقعد الذي أمامُه صارخًا بوجهها:
– إخرسي مش عايز أسمعلك صوت!!! نازلة شغل و قولت ماشي سيبها، قاعدة لوحدك في شقة طويلة عريضة في مكان مبيرحمش و كلُه بيتكلم عليكِ و قولت مالهاش ذنب و أقطع لسان أي حد يجيب سيرتك عشان أنا عارفك!!!، لكن نازلالي بـ قميص هيتفرتك من على صدرك و شعرك مسيباه!!! ده إنتِ نهارك إسود معايا أقسم بالله لهعرفك أنا مين على اللي بتعمليه ده!!!

شهقت من وقاحتُه و همت بالصراخ في وجهه لكنه أشهر بأصبعه في وجهها هادرًا بقسوة لدرحة أن عروق جبينه و عنقه نفرت:
– قـولـت صـوتـك مـسـمـعـوش!!!

السابقانت في الصفحة 1 من 6 صفحات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى