
قالت نور بإنفعال مشددة على أسنانها:
– مين قالك لو جه أنا هسامحُه؟ عُمري ما هسامحُه على الإحساس اللي حسسهولي و لا على قهرة قلبي!!
تنهدت دُنيا تربت على كفها و صمتت، ثم قالت مُغيرى مجرى الموضوع:
– أنا بقى يا ستي متجوزة و جوزي مسافر!! بيسافر و بينزل كل 4 شهور شهر!!!
مسحت الأخيرة دمعاتها و قالت بهدوء:
– كويس .. مش بيغيب يعني!!
إبتسمت دُنيا تقول بنبرة ممازحة:
– كدا مش بيغيب .. ده بيوحشني أوي أصلًا!
– مسافرتيش معاه ليه؟
سألتها نور بإستفسار فـ قالت بعد تنهيدة:
– مينفعش .. هو لسه مش مستقر بيتنقل من مكان لمكان و مش عايز يبهدلني معاه!!!
صمتت نور و لم تُعقّب، فأتت صينية الطعام، و بدأت دُنيا تأكل بـ شراهةٍ على عكس نور التي نظرت للطعام و لم تلمسُه. فقالت الأخيرة بضيق:
– كُلي يا نور!! والله لو ما كلتي أنا كمان مش هاكل و أنا ميتة من الجوع أصلًا!
– طيب!!
• • • • • •
– إعملي حسابك يا ست نور إني هطُب عليكِ بُكرة الصبح عشان نفطر مع بعض و هقضي معاكِ اليوم كمان و هقرفك شوية!!!
قالت دُنيا مُبتسمة فـ أسرعت الأخير تقول بترحابٍ:
– ده أكيد .. بدل م نقعد لوحدنا و نتجنن!! هستناكِ متتأخريش!!
ثم غادرت تشير له بكفها، فـ غادرت دُنيا بسيارتها و دلفت نور إلى تلك الحارة ثم إلى بيت والدتها، فتحته و دلفت تغلق الباب خلفها، ألقت جسدها فوق إحدى الأرائك بتعبٍ، شاردة في نومتها الأولى بدونه، بدون أحضانه، بدون أنفاسه التي لطالما كانت قريبة من رئتيها، شاردة في حالها الجديد .. شاردة في هوانها عليه، أغمضت عيناها لكي لا تُمطر، ثم غفت تُصمِت تلك الأصوات التي بداخل ذهنها!!
إستفاقت على طرقات فوق الباب أفزعتها، و جعلتها تنهض مسرعة تقول بـ صوتها الناعس:
– حاضر يا دُنيا!!
فتحت الباب تفرك بعيناها بنعاس شديد و رفعتهما، فـ توسعت عيناها عندما وجدته هو، يقف أمامها بطوله الفارع و تلك الهالة التي تُحطيُه، يُهزم حصونها و يدمرها مرةً أخرى، فـ تحاول الدفاع عن بقايا روحها تصرخ به:
– جـاي ليـه؟!!!
قال بهدوء:
– رديتك!!!
يُتبع♥
الفصل الثاني عشر
رديتك!!!
شهقت تستفيق من نومها على ذلك الكابوس الذي هيأُه عقلها لها أنه قد عاد، تستفيق فتجد نفسها على ذات الأريكة، تآوهت بألم تدلك رقبتها لتستوقفها طرقات الباب، إنقبض قلبها تظن الكابوس قد تحقق، نهضت تسير ببطء ناحية الباب ثم تتمتم:
– مين؟
زفرت أنفاسها التي حبستها برئتيها عندما سمعت صوت دُنيا فـ فتحت لها فورًا، إبتسمت لها بترحابٍ فـ غمغمت دُنيا:
– مين إيه بس م إنتِ عارفة إن أنا اللي جاية!
قالت نور بعد تنهيدة:
– حلمت إنه هو اللي جالي و قالي رديتك .. عشان كدا إتخضيت لما خبطتي!!!
أغلقت دُنيا الباب و جلست تقول:
– والله يا بنتي الرجالة دول شوية مجانين! تعالي أقعدي جايبالك فطار حلو أوي!!
قالت نور بحرجٍ:
– إنت بتكلفي نفسك ليه يا دُنيا أنا عندي الأكل!
قالت دُنيا بمرحٍ:
– أنا مش هستناكِ لما تطبخي يا عسل .. أنا على لحم بطني!!!
ضحكت نور و قالت و هي تجلس أمامها:
– يا بنتي إرحمي نفسك .. بتودي الأكل ده فين و إنتِ رفيعة كدا!
– طب يلا كُلي!!
جذبتها إلى الطعام من يدها فـ ضحكت نور و بدأت تأكل بالكاد تبتلع اللُقيمات، كلما أكلت تذكرتُه و هو الذي كان يطعمها بيداه، أغمضت عيناها تسُب عقلها الذي لا يفكر بـ سواه، لاحظتها دُنيا فـ قالت بهدوء:
– نور .. إنتِ لسه عايزاه!!!
نظرت لها مُتفاجئة من السؤال، ظلت تفكر للحظات حتى قالت بهدوء:
– لاء .. و لو جه باس على رجلي مش هسامحُه، خلاني أحس إحساس بشع أوي يا دُنيا
تنهدت دُنيا تقول بحزن على حالها:
– إنتِ بتقولي كدا عشان لسه في مرحلة الغضب، لكن أنا عارفة إنك بتحبيه، و إنه لو جه و إعتذر هتسامحيه!!!
صمتت نور لا تستطيع أن تجيبها .. فهي نفسها لا تعرف كيف ستكون ردة فعلها إذا أتى، حاولت تغيير الموضوع فـقالت بإبتسامة زيّفتها:
– سيبك مني و إحكيلي إنتِ .. جوزك هينزل إمتى؟
قالت دُنيا مبتسمة عند ذِكر سيرته:
– أقل من شهر و هيبقى هنا بإذن الله!!!
قالت نور بحُب لـ تلك الإبتسامة التي إرتسمت على وجهها فور أن أتت بسيرته:
– بتحبيه؟
أسرعت قائلة دون تردد:
– أوي يا نور .. بحِس إنه حتة مني و لما بيمشي قلبي بيبقى كإنه عايز يطلع من جسمي و يروح معاه!
إبتسمت لها نور و ربتت على كتفها قائلة بحنان:
– يجيلك بالسلامة يا حبيبتي!!!
– يارب!!
قالتها مبتسمة، فـ ظلت نور تفكر للحظات حتى قالت بهدوء:
– دُنيا أنا عايزة أشتغل!
• • • • • • •
وقفت أمام المرآة، تُهندم ثيابها و تُنمقها، تلك الثياب التي أعطتها لها دُنيا لترتديها كي تكون لائقة للشركة التي ستعمل بها، و ثياب كثيرة قد أتت لها دُنيا بها، كانت ترتدي بنطال قماشي تعلوه كنزة بيضاء ضيقة إلتصقت بجسدها و طرفها قد أُدخل داخل البنطال، تعلو تلك الكنزة بليزر قماشي من نفس نوع و لون البنطال الأسود، خصلاتها رفعتهم عن وجهها بكعكةٍ مُنمقة، نظرت لنفسها بإعجابٍ و أخذت هاتفها و غادرت، فوجدت دنيا تقف منتظرة إياها بسيارتها، و فورما رأتها قالت بإعجاب:
– يا ولا على الحلاوة!!
إبتسمت لها نور و صعدت جواره بالسيارة تقول بإمتنان:
– أنا بجد مش عارفة أقولك إيه، يعني كلمتيلي مديرك عشان أشتغل معاكي في نفس الشركة و جيبتيلي اللبس الفورمال ده كلُه و كمان واقفة مستنياني بالعربية!!
قالت دُنيا مُبتسمة:
– أومال إحنا صحاب إزاي .. ده الطبيعي!!
ثم تابعت:
– و الحمدلله مدير الشركة راجل كبير أد أبوكِ كدا .. يعني مُستحيل يبُصلك و شُغل الروايات ده!!!
• • • • • • •
بدأت نور العمل في الشركة مع صديقتها دُنيا .. و التي إحتلت جزء كبير للغاية من يومها و من قلبها أيضًا، حتى مرّ شهرٌ كامل دونُه، دون أن تسمع صوته و تستأنس به، دون أن تنظر له و تشعر بأنفاسُه تُبعثرها، و في اليوم الثلاثون، وقف تحتضن دُنيا التي قالت بحُزن:
– هتوحشيني الشهر ده، أنا والله ما عايزة أسيبك لوحدك أصلًا!
أسرعت نور تقول بحنان:
– يا حبيبتي إنتِ مش مسافرة، و بعدين الأيام بتعدي بسرعة و هتقضي مع جوزك الشهر ده و هتيجي تاني .. إنتِ ما بتصدّقي إنه يجيلك أصلًا!
تنهدت دُنيا و قالت تمسح على خصلاتها:
– هرن عليكِ كل يوم أتطمن عليكِ!!
قالت نور بمزاح تخفف الأجواء:
– آه إنتِ عايزة جوزك يعلّقك بقى!! أنا قاعدة في بيتنا مش هيجرالي حاجه، هلخم نفسي في الشغل!!
– ماشي يا حبيبتي! همشي أنا و إنتِ نامي بقى عشان تصحي بكرة بدري .. تصبحي على خير!!
أشارت لها دُنيا و هي تبتعد متجهة إلى الباب، ردّت نور عليها ثم تغلق الباب خلفها، مُحيت الإبتسامة من فوق شفتيها فورما إنفردت بنفسها، أغمضت عيناها تستند برأسها على الأريكة تضم قدميها لصدرها، تُهدئ من إشتعال قلبها، و تأجج روحها و من القر الذي يختلجها، حتى إستمعت لطرقات فوق الباب، ظنت أن دُنيا قد نست شيء فأسرعت تنهض تفتح لها، لكنها أخذت خطوتان للخلف عندما وجدتُه واثب أمامها، بجسدُه الذي إزداد ضخامة .. و بـ ذقنُه التي نمت أكثر، عيناه المُرهقة و ملامحه التي بُهتت، نظرت له بقسوةٍ، ثم قالت:
– خير؟ إيه اللي جابك؟
نظر لها بإشتياقٍ حاول جاهدًا أن يخفيه، يتفرّس وجهها وجسدها الذي قد نُحف قليلًا، يحاول فكّ عُقدة لسانه فيقول بهدوء:
– وحشتيني!!!
ضحكت من قلبها، حتى عادت للخلف من شدة ضحكاتها واضعة كفها على معدتها، ثم إعتدلت في وقفتها قائلة مُبتسمة:
– مش ممكن .. كل مرة تضحكني كدا؟
تابعت بهدوء:
– لو إنت فاكر إني هفتحلك دراعي عشان أخدك في حُضني تبقى مُغفّل أوي!! و لو فاكر إن الكلمة دي هتخليني أنِخ و أسامحك تبقى مبتفهمش!!!
مرّ من جوارها و دلف للبيت فـ إلتفتت تنظر له بحدة، ليتابع ببرود:
– تسامحيني؟ مين اللي المفروض يسامح التاني؟!؟
جلس على المقعد و قال مشيرًا لها على الأريكة:
– أقعدي نتكلم!!!
صرخت بوجهه:
– مافيش بينا كلام ولا قُعاد .. إطلع برا!!!!
أشارت للباب كي يخرُج، فـ هتف بضيق:
– هتعبر نفسي مسمعتش طردك ليا، و هراعي إن نفسيتك تعبانة و مش هاخد بكلامك!!!
قالت بنبرة إستفزته:
– نفسيتي تعبانة؟ مين العبيط اللي قالك كدا؟ أنا في أحسن مراحل حياتي .. عايشة في شقتي ، نزلت إشتغلت و الحمدلله بثبت نفسي في شغلي، و عندي صاحبتي دايمًا واقفة معايا، فين نفسيتي التعبانة دي بقى!!
نهض واقفًا أمامها، و تجرأ محاوطًا وجنتيها هامسًا بصوتُه الرجولي:
– يعني أنا موحشتكيش!!
أبعدت كفيه بعنف صارخة بوجهه:
– إياك تاني مرة تلمسني، إحنا مطّلقين مينفعش اللي بتعملُه ده!
إقترب منها أكثر يقبض فوق ذراعيها يدفعها إلى ركن في الحائط فـ شهقت و هي تشعر بـ نواقيس الخطر تدُق في ذهنها، إقشعرّ بدنها عندما سار بأناملُه على ذراعيها العاريان:
– إنتِ لسه في شهور العدّة .. أقدر أرُدك في أي وقت!!!
– تبقى بتحلم، مش هوافق لو حصل إيه!!!
قالت بقسوةٍ ظهرت في عيناها، كانت عيناه مُثبتة على شفتيها التي إشتاق لها، شهرًا كاملًا لم يتذوق عسلهما، يعلم خطورة ما سيفعله و لكن ليفعلُه، و على غفلةٍ و بدون سابق إنذار كان يميل مُلتقطًا ملاذُه في قبلةٍ دامت ثوانٍ معدودة قبل أن تدفعه بعنف من صدرُه، ،و قبل أن يأخذ صفعةً من كفها أفاقت ثمالة عقلُه بها، إشتعلت النيران بعيناها تدفعُه من صدره بعد أن لطمت وجهه تهدر في وجهه:
– إنت إزاي تعمل كدا!!! إزاي تتجرأ و تعمل كدا إنت إيه!!! بقولك أنا مش مراتك!!! مبقتش مراتك .. كُنت و خلاص مبقتش و لا هبقى تاني!!!
ظل مُغمضًا عيناه يحاول أن يسيطر على أعصابه و لا يُحطم عظامها الآن، يقبض فوق كفيه و أسنانه تصتك فوق بعضهم في غضبٍ لا مثيل له، لا تنكر خوفها من ردة فعله التي باتت غير متوقعة، هل سيرُد لها الصفعة صفعتان؟ هل سيسحب خصلاتها فتتقطّع في كفُه؟ هل سيُلقي عليها سِباب نابية؟ خافت و تراجعت جالسة على الأريكة تضُم كتفيها بذراعيها، مُغمضة عيناها بألم من الحال الذي آلا كلاهما له، ظل صامتًا لا يتحدث ما يُقارب النصف ساعة، حتى وجدته يتحرك و يجلس على الأريكة قائلًا بأعين إحمرّت:
– نور!!
نظرت له متوجسة، حتى قال بهدوء زائف:
– لو إنتِ عيشتي حياتك فـ أنا مش عارف، كُل رُكن في البيت بيفكرني بيكِ .. أنا أصلًا مبنساش، و لو أنا موحشتكيش ..
تابع بعد تنهيدة:
– فـ إنتِ وحشتيني لدرجة متتخيليهاش، كل حاجة فيكِ وحشتني .. ضحكتك .. عينيكِ .. صوتك .. حُضنك كُل حاجه مفتقدها، كان لازم تُعذريني .. أنا كُنت حاسس إني مش قادر أثق فيكِ!!
تأملت كلماته .. كيف ستخبرُه أنها إشتاقت هي الأخرى له و لكن لن تبقى معُه، كيف ستُخبره أن صوته .. عناقه .. عيناه و ضحكاته التي تنعش خلايا جسدها تشتاق لهم و لكنها أبدًا لن تبقى معه، أخذت أنفاسها الضائعة و حاولت موازنة نبرته تقول ساخرة:
– أعذُرك؟ طب و أنا مين يعذُرني؟! ليه عايزني أعذُرك و إنت معذرتنيش لما قولتلك إني مكُنتش مُستقرة نفسيًا و !ني عملت كدا من اللي شوفتُه في حياتي! ليه و أنا بنهار قدامك و بقولك إني بحبك و مقدرش أعيش من غيرك مرحمتنيش؟ ليه و إنت شايفني قصادك بطلع في الروح .. عينك مرمشتش حتى عليا!
– حقك عليا!!!
