نور وفريد

نور وفريد

لم ينتظر، لم يتردد حتى في الهرولة لها و الجلوس على مرفقيه عيناه تسير فوق وجهها و جسدها بقلقٍ يمسح فوق خصلاتها المتعرقة الملتصقة بجبينها يبعدها عن وجهها لكي يراه بوضوح هامسًا و القلق يأكل خلايا جسدُه:
– فيكِ إيه!!!!

لم ترُد عليها سوى بمناداتها لأمها بصوت ضعيف مكتوم، أسرع بوضع يداه أسفل ركبتيها و الأخر على ظهرها يحملها كالريشة بين يداه يغادر بها تلك الشقة يترجل بها من فوق السلم و لأول مرة يشعر بسرعة دقات قلبه حتى كادت تصُم أذنيه، أدخلها سيارتُه ثم قاد هو يتراجع ىلخلف لكي يخرج من تلك الحارة و يذهب لأكبر مستشفى في محافظة الأسكندرية متغاضيًا عن شهقات الجيران و تساؤلاتهم عندما وجدوه حاملًا نور

وصل بها للمشفى ليترجل من السيارة و صوت أنفاسه باتت عاليه من شدة خوفُه عليها، دلف بها للمشفى ليهتف إلى موظفة الإستقبال بحدة يقول:
– العناية فين؟!!!

أسرعت الأخيرة تقول في عجلةٍ و قد علمة هوية من أمامها:
– في الدور التاني ثواني هطلب لحضرتك سرير!!!

لم يستمع لباقي حديثها بل سار على قدميه حاملًا إياها ساخرًا من تلك التي تود أن تجعلها تنام بأحضان الفراش و ليس بأحضانه هو، صعد بها السلم دون أن يستخدم المصعد يحاول جاهدًا إبعاد عيناه عن وجهها، فـ وجهها الشاحب يُفزع قلبُه و يجعله يود أن يضمها لصدره حتى يشعر بإلتصاق عِظامها، وجد في آخر الرواق غرفة العناية فـ سار لها لتوقفه ممرضة قائلة برسمية:
– حضرتك واخد الهانم ورايح على فين يا فندم!!

– عايز أدخلها العناية، حالًا!!!
قال بأعيُن جامدة ينظر ألى الممرضة التي إرتابت من نظراته فـ أسرعت قائلة:
– طيب هجيب تروللي و آجي لحضرتك

– مش هتتحط على سراير، أنا هدخلها!
قال بهلهجةٍ عنيفة فـ هتفت الأخيرة بضيق:
– مينفعش يا فندم تدخل العناية، هي لوحدها لإننا بنلبسها لبس مُعين عشان تدخل!

– طيب بسرعة!!
قال بضيقٍ لا يود أبدًا إضاعة الوقت في تراهات على حساب حياتها، تركته الممرضة واثب في منتصف الرواق، لينظر لتلك المغشي عليها منذ أن حملها، تستند برأسها على صدرُه فـ يتغلغل إليه شعورٍ غريب لم يمر به بـ حياته، رفعها أكثر فـ باتت رأسها فوق مكتبه العريض و أنفاسها تضرب بشرة عنقُه، قاطع ذاك الشعور التروللي و هو يُجر بواسطة تلك الممرضة، وضعها فوقه برفق ثم أزاح خصلاتها من فوق جبينها ينظر لوجهها للحظات ثم تركها، لتلج داخل الغرفة المُجهزة، و يدلف ورائها أكثر من طبيب بعدما علموا أن المستشفى الخاصة بهم نالت شرف وجود فريد الزيات عِندهم، أوقف أحدهم يقول له بمُنتهى الهدوء:
– لو جرالها حاجه، هقفلكوا المستشفى دي! و إنت عارف فريد الزيات لما يدي كلمة و لو متعرفش .. أعرَّفك!

أومأ له الطبيب يقول في توترٍ:
– حاضر يا بيه، بإذن الله هنعمل كل حاجه عشان تبقى كويسة

أشار له بالمغادرة فـ أسرع، جلس فريد على ذلك المقعد الذي يشبه بروده برود المكان، يستند بـ ظهره بـ قلقٍ يحاول إخفاؤه، تُرى ما الذي حدث لها؟ و لمَ لم يكُن سواها في البيت؟ هل قام أحد بأذيتها و تركها وحدها تعاني .. هل زوج أمها من فعل!!
خفق قلبُه بعنف من تخيُل فكرة لو أنها تقطن من رجلٍ وضيع يحاول التقرب منها، قلبه لم يتحمل الأمر فـ نهض و سار ذهابًا و إيابًا في المشفى، و تلك الفكرة تكاد تُفجِّر راسُه، لم يستطع الصمود و خرج من المشفى يدفع لموظفة الإستقبال تلك ثم وقف بعيدًا عن مبنى المشفى يُدخن سيجارة تلي الأخرى يُخرج بها غضبُه و إضطراب تفكيرُه، يقسم لو حدث و كان ذلك الرجل السبب في أذيتها  و لن يتردد!! دخل للمشفى بعد ساعة ليصعد في المصعد ثم ذهب يجلس لثواني قبل أن يخرج الطبيب، فـ نهض يُردف بـ ثباتٍ:
– كويسة؟

هتف الطبيب بـ ضيق مما رأى:
– هي كويسة، بس آثار الضرب اللي على جسمها مهمِداها جدًا، هننقلها غرفة عادية عشان حضرتك تقدر تشوفها!

لم يستمع فريد لباقي حديثُه، فقد توقف عقله و صُمَّـت أُذنيه عندما إستمع لأول جملتُه، لتستوحش مِحياه .. أيَّة آثار ضربٍ؟ من تجرأ و فعل!! كيف بتلك الشخصية التي تمتلكها تقبل أن يضـ.ـربها أحد، من تجرأ على الإقتراب منها و مسّها بسوءٍ و هي تخصُه، أذيتها تعني أذيتُه، يقسم أنه فور ما سمع جملة آثار الضرب تلك و جسده أصبح يؤلمه و كأن جسدُه هو من ضُرب، رآها تخرج على الفراش و هي لازالت لم تستفيق، دلف خلفها الغرفة العادية، ثم مال يحملها ينقلها للفراش الآخر، فـ خرجت الممرضة من الغرفة تغلق الباب خلفها، سحب هو مقعد و جلس جوارها، عيناه تتفحص هيئتها يبحث عن تلك الآثار، لكن ذلك الرداء الطبي حجب كل شيء، زاح ذلك الغطاء الطبي من على خصلاتها فـ إنسابت جوارها، ربت فوق شعرها يحادثها بصوتٍ إمتلئ ضيقًا:
– مين .. مين اللي عمل فيكِ كدا و إتجرأ يقرّبلك؟ ميعرفوش إنك تخُصي فريد الزيات .. و إني مش بسيب حاجه تخصني!!

– مين ضربك .. و أنا أقطعلك إيدُه اللي إتمدت عليكِ!
يمسح فوق خصلاتها برفق يرى لون وجهها الطبيعي يعود شيئًا فـ شيئًا، ظل على هذا الحالة ساعة كاملة حتى همهمت بألم تستفيق و هي تتآوه:
– آآآه .. آه!!

تلك التآوهات التي تنبثق من بين شفتيها تؤلم قلبه، أبعد كفه عن خصلاتها كي لا تفزع منه، فوجدها تفتح عيناها تحاول الإستناد على مرفقيها تقول بـ وجع جسدي فائق:
– آآه .. أنا .. فين!!!

– إهدي .. إنتِ معايا!
قال بهدوء فـ إلتفتت له تنظر لملامحه بأعين ضاقت و هي موقِنة أنها رأت هذا الوجه من قبل، إعتصرت ذهنها فضربها الصداع أكثر فـ أنَّت لتغمغم و هي تعود برأسها للخلف-
– عايزة أمشي .. القسم .. عايزة أروح القسم!!!

قال بجدية:
– و تروحي ليه .. القسم كلُه ييجي لحد عندك!!!

لم تستوعب كلماته تحيط برأسها بألم رهيب، فـ تابعها بعيناه يقول بقلقٍ:
– راسك واجعاكِ؟

أومأت بأعين زائغة فـ ضغط على زر جوارها لتأتي المُمرضة فـ قال لها:
– هاتي حباية مُسكن، و فرخة مسلوقة بـ شُربتها بسُرعة!

– حاضر يا فريد باشا!
ثم غادرت، نهض فريد يجري إتصالاته جوارها التي ظلت تنظر أمامها بحسرةٍ تتذكر ما حدث فيتألم قلبها أكثر إنتهى من حديثه على هاتفه و نظر لها فوجدها على تلك الحالة ليجلس على المقعد يناظرها بهدوء مستندًا بظهره على ظهر الكرسيّ، لا يود أن يفتح معها ذات الموضوع رغم إحتراقُه لمعرفة ما حدث، طالعتُه هي و عندما تذكرت أين قابلتُه صُدمت، لتردف بصوت إهتز:
– إنت .. إنت مين؟ و إزاي وصلتلي و ليه جيبتني هنا؟

لم يجيبها بل ظل ينظر لها نظرات أربكتها، فـ أشاحت بعيناها عنه بضيق و قد علمت أنه لا يجيب، و بحركةٍ خاطئة نهضت بها نصف جلسة فجأة وفاجأت جسدها فـ شعرت و كأن ماء نارية سقطت على جروح ظهرها لتتآوه بصوتٍ عالٍ مغمضة عيناها:
– آآآآآه

إنتفض من فوق مقعدُه يجأر بها بغضب و هو يضع خلف ظهرها وساداتان:
– غـبـيـة!!!!

حاوط كتفيها و أراح ظهرها برفقٍ على الوسادات، فـ أسندت ظهرها تعود برأسها للوراء متمتمة بحدة و عي مغمضة عيناها:
– إنت اللي غبي .. و معندكش دم آآه!!

إبتسم يجلس مجددًا و هو يقول ببرود:
– لولا القطر اللي داس عليكي ده .. أنا كان زماني كملت عليكِ!!

كم كاذب هو، يُكمل على من؟ أيستطيع أذيتها! أيستطيع أن يمسها بسوء أو يُعنف جسدها الذي يتمنَّى أن يضمُه لجسدها و يمسح عليه بحنوٍ!!!

بللت شفيتها و تغاضت عما قال لتردف بـ ظمأ رهيب:
– عطشانة .. أوي!!

صب لها من الماء الموضوع على الكومود جوارها و نهض يقترب منها ليضع كف خلف رأسها و الآخر ممسك بالكوب يضعُه بين شفتيها لتشرب منه .. و كم حسد ذلك الكوب الذي إستطاع لمس شفتيها و إستشعار نعومتهما، إنتهت من الكوب فـ أبعده عنها ليرى قطرة تنزلق من شفتيها تركض مسرعة على ذقنها فـ أسرع يزيل تلك المتطفلة بإبهامة فوق جوار شفتيها، شهقت و نفضت يدُه بعنف فـ تبسّم بإستمتاع من نظراتها الشرسة التي عادت تنظر له بها، لتقول بصوتٍ حاد:
– إياك تلمسني، إنت مين عشان تجيبني هنا و تفضل قاعدة معايا و الأوضة مافيهاش غيرك و نقفول علينا باب، رد عليا مين إنت عشان تعمل كل ده!!

جلس واضعًا قدم فوق الأخرى و قال بمنتهى الجدية:
– جوزك .. المُستقبلي!!!

شهقت مصدومة من جرأة ما يتلفظ به، لتصرخ به بقوة:
– ده بُــــعــــدَك!!!

– هنشوف!
قالها بتحدٍ فـ إشتعلت عيناها أكثر و نظرت أمامها، راقبها هو عن كثب حتى أغمضت عيناها بتعبٍ لكن فُزعت عندما طرق الباب بعنفٍ و إنتفض جسدها كـ طفلة أوشكت على النوم فأتى طارقٌ مزعجٌ أقلق راحتها، إبتسم و همس دون أن تسمعُه:
– اسم الله عليكِ!!

نهض ليفتح الباب فوجد ضابط يجاورُه أكثر من أمين شرطى، رحب به الضابط بحراره فجلعه فريد يدلف، أسرعت هي تناظر الضابط بلهفةٍ تقول مُسرعة:
– بعد إذنك أنا عايزة أحرر محضر!!

– بإسم مين يا هانم!
قالها الضابط بإحترام فإستغربت اللقب الذي أطلقه عليها و لكن تغاضت عنه لتكمل:
– نور .. نور الراوي!!!

– طيب قوليلنا اللي حصل!

نظرت له بتوتر ثم نظرت إلى ذلك الغامض لتجده مستند بـ ذلك المنكب العريض فوق إطار الباب يُكتف ذراعيه بهدوء ينظر بترقب لما ستقول، همهمت نور إلى الظابط تُردف بضيق:
– ممكن يطلع برا؟

لم يسمع فريد ما قالت فـ إعتدل بـ وقفتِه ليلاحظ إرتباك الظابط يهمس لها مقربًا وجهه من وجهها فـ إشتعل قلب فريد ليضرب على إطار الباب صائحًا بهما:
– إنتوا هتفضلوا تتوشوشوا كدا كتير!!!! محاضر إيه دي اللي بتتعمل بالوشوشة!!

أسرعت نور هاتفه بإضطراب و عنف:
– لو سمحت تطلع برا، أنا مش حابة أحكي حاجه و إنت موجود!!!

طالعها بهدوء للحظات، ليقول بعدها بحدة:
– مش هطلع و أسيبكوا مع بعض، هقف بعيد!!

قالها بضيقٍ ثم وقف في شرفة الغرفة ينظر لهما و هي تتحدث لذلك الضابط عما حدث، يود أن يسمع و لكن صوتها خافت، أعطاهما ظهره يضرب بكفُه فوق سور الشُرفة، حتى مرت نصف ساعة، لينتهي الضابط ينظر لـ فريد قائلًا برسمية:
– المحضر إتسجل يا فريد باشا، ادو الإجراءات اللازمة هتتاخد!!
نظر فريد إلى الممرضة التي إنشغلت بها نور، ليخرج مع الضابط قائلًا بهدوء:
– هات المحضر يا رياض!!

نظر له الضابط بتردد ليغمغم:

السابقانت في الصفحة 1 من 9 صفحات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى